محمد أبو زهرة
5094
زهرة التفاسير
يتدبروا ما سمعوا من آيات تتلى أم أنهم جعلوا هذه الآية في منزلة ما جاء به آباؤهم فما دامت لم يجئ بها آباؤهم فهي في موضع الإنكار ، وفي هذا توبيخ لهم من ناحيتين : أولاهما - أنهم مقلدون لا يفكرون بعقولهم تفكير موازنة بين حق وباطل . وثانيهما - أنهم مقلدون آباؤهم ، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون . أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 69 ) . أَمْ تتضمن معنى بل ، والاستفهام الإنكارى ، و « بَلْ » معناها الإضراب ، فالكلام فيه إضراب انتقالى ، والمعنى نضرب عن هذا ، ونسألهم ألم تعرفوا رسولكم فأنتم له منكرون ، ومؤدى هذا التساؤل أنكم قد عرفتم رسولكم ، فقد نشأ بينكم ، وعرفتم صدقه وعدله واتزان فكره ، وسلامة طبعه ، وضئضئ نسبه ، وأنه من أوسطكم ، وأنه الأمين بينكم فكيف تنكرون رسالته ، وتنكرون شخصه ، وهو الأمين النسيب فيكم ، وأرجح رجالكم عقلا . أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ( 70 ) . أَمْ تدل على الإضراب والاستفهام معا ، وهو إضراب انتقالى يضرب بها عن الكلام قبله ، وينتقل إلى استفهام جديد ، ولا شك أنهم يعرفون أمانته وصدقه ، واستقامة نفسه وخلقه وعقله ، وطبعه ، ولا يتحول ذلك إلا إذا اضطراب كيانه العقلي والنفسي ، وأصيب بجنون ، والمعنى أيقولون به جنة ؟ أي أتحول عن طبيعته ، وأصابه جنون ، وهو يقول القول الحكيم ، ويتصرف التصرف الحكيم ، فلم يكن به جنون ، بل زاد بالبعث عقلا وعلما ، وإنما هو الكراهية للحق ؛ ولذا قال : بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ، بَلْ للإضراب عن كل ما سبق فهم يعرفون إعجاز القرآن وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا ، وإذا لم يتدبروا القول ، فهو يقرعهم بالحجة ، وهم يعرفون الأمانة عنده ، وهم لا يقولون صادقين إنه مجنون ، ليس هذا ولا شئ منه ، ولكن الحق ثقل عليهم ، وقد جاء به ليبطل عبادة الأوثان وتحريمهم